كتب رانجان سولومون: يوظّف الخطاب الجيوسياسي المعاصر اللغة لا لكشف الواقع بل لتمويهه، ويظهر طرح «مجلس سلام لغزة» هذا الانزلاق بوضوح. يعيد هذا الطرح تدوير العنف، ناقلًا إياه من الاحتلال العسكري المباشر إلى عنف بيروقراطي مغطّى بمفردات إنسانية، ويُعيد إحياء منطق الانتداب عبر تصوير إدارة غزة باعتبارها «مبادرة لبناء السلام»، بما ينزع عن الفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم تحت ذريعة الضرورة الإنسانية.
توضّح ميدل إيست مونيتور أن قراءة هذا المقترح تفرض فهمه بوصفه تجسيدًا متعمّدًا للاستعمار الجديد وهجومًا مباشرًا على مشروع نزع الاستعمار، لا مجرد إجراء أمني أو ترتيبات انتقالية.
من «الرسالة الحضارية» إلى منطق التفويض
ينطلق تصور «مجالس السلام» من منطق «الرسالة الحضارية» الذي وصفه فرانز فانون، حيث يُصوَّر الشعب الخاضع للاستعمار باعتباره غير مؤهل للحكم الذاتي. ينظر هذا المنطق إلى غزة لا ككيان سياسي صاحب حق في السيادة، بل كمساحة تحتاج إدارة خارجية. يستدعي هذا الطرح نظام انتدابات عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، حين برّرت القوى الكبرى الوصاية على شعوب بحجة عدم جاهزيتها. يستبدل هذا النموذج حق تقرير المصير بوجود مراقَب تُعرَّف فيه «التهدئة» باعتبارها غياب المقاومة، لا تحقيق العدالة.
الاستعمار الجديد وإدارة الحياة الفلسطينية
يعمل الاستعمار الجديد عبر التحكم في البنى التحتية والحدود والشرعية بدل الاحتلال المباشر. يؤدي «مجلس سلام لغزة» دور أداة مركزية لهذا النمط، إذ يوزّع مسؤولية السيطرة على أطراف دولية ويخلق غطاءً أخلاقيًا يخفف المساءلة عن قوة الاحتلال. يفرّغ هذا الإطار الصراع من طابعه السياسي، ويحوّل قضية التحرر الوطني إلى «مشكلات تقنية» مثل الإغاثة وإدارة المعابر، كما يعمّق فصل غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية، مكرّسًا التفتيت ومنع قيام دولة فلسطينية موحدة.
عنصرية السلام وخطر الإطار الإنساني
يقوم خطاب «السلام» المقترح على افتراض عنصري يضع السيادة في هرمية غير متكافئة، ويعامل الفلسطينيين بوصفهم غير جديرين بإدارة شؤونهم. يمتد هذا المنطق من الاستشراق الذي صوّر الشرق باعتباره فوضويًا يحتاج وصاية غربية. ويكشف الغلاف الإنساني للمجلس أخطر أبعاده، إذ يختزل السكان في احتياجات البقاء فقط. يحوّل هذا النموذج غزة إلى مساحة مُدارة تُقدَّم فيها المساعدات مقابل نزع الحقوق السياسية، فيغدو «السلام» اسمًا آخر للصمت المفروض.
يمثّل «مجلس سلام لغزة» محاولة لإعادة إنتاج الانتداب بصيغة معاصرة. يضع هذا الطرح العالم أمام اختبار حاسم: إما الدفاع عن حق الشعوب في السيادة الكاملة، أو القبول بإدارة الاستعمار تحت لافتة إنسانية. أي بديل عن السيادة ليس سلامًا، بل استمرارًا للمحو بأدوات أكثر نعومة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260118-the-new-mandate-recolonization-peace-boards-and-the-architecture-of-erasure/

